قرار استراتيجي
من أستأمنه على عملي أو منصبي أو شراكتي؟
قد يكون القرار توظيفًا، أو تكليفًا بمنصب، أو دخولًا في شراكة، وهو يحمّل صاحبه أمانة الاختيار. وكثيرًا ما تتنازع الاختيارَ أمورٌ مثل الكفاءة والثقة والقرابة والانطباع الأول. فما المعيار الذي يُحتكم إليه؟ وكيف نتحقق منه في الواقع؟
الآيات
المعيار وصفان يجتمعان: قدرةٌ على العمل وحفظٌ له. والمنصب أمانة تُعطى لأهلها. وفي الشراكة يُخشى البغي إلا من أهل الإيمان والعمل الصالح.
﴿قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ﴾
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا﴾
﴿قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩﴾
أقوال المفسرين
يجعل ابن سعدي الوصفين معيارًا في كل من يتولى عملًا لغيره. ويبيّن الطبري أنها حكمت بما رأته منه فعلًا، لا بما ادّعاه.
أي : إحدى ابنتيه { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ } أي : اجعله أجيرا عندك, يرعى الغنم ويسقيها . { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } أي : إن موسى, أولى من استؤجر, فإنه جمع القوة والأمانة, وخير أجير استؤجر, من جمعهما, القوة, والقدرة, على ما استؤجر عليه, والأمانة فيه بعدم الخيانة . وهذان الوصفان, ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا, بإجارة أو غيرها . فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما, أو فقد إحداهما .
20852-حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد ، قَالَ : ثني أَبِي ، قَالَ : ثني عَمِّي ، قَالَ : ثني أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ اِبْن عَبَّاس ، قَوْله : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْر مَنْ اِسْتَأْجَرْت الْقَوِيّ الْأَمِين } قَالَ : إِنَّ مُوسَى لَمَّا سَقَى لَهُمَا ، وَرَأَتْ قُوَّته ، وَحَرَّكَ حَجَرًا عَلَى الرَّكِيَّة ، لَمْ يَسْتَطِعْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا ، فَأَزَالَهُ عَنْ الرَّكِيَّة ، وَانْطَلَقَ مَعَ الْجَارِيَة حِين دَعَتْهُ ، فَقَالَ لَهَا : اِمْشِي خَلْفِي وَأَنَا أَمَامك
وقولها{إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ} كلام حكيم جامع لا يزاد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول استأجره لقوته وأمانته فإن قلت كيف جعل خير من استأجرت اسما لإن والقوي الأمين خبرا قلت هو مثل قوله ألا إن خير الناس حيا وهالكا أسير ثقيف عندهم في السلاسل
لمسة لغوية
الأمين في اللغة هو الحافظ الموثوق في باطنه، فالأمانة سلوك يُختبر في الخفاء، وليست مجرد مظهر.
2) ﴿ٱلۡأَمِينُ﴾: أصلُ (أمن) منَ الأمانةِ الَّتي هيَ ضِدُّ الخيانَةِ، والأمْنُ: نقيضُ الخوفِ، والأمانةُ: وثاقَةٌ في الباطن؛ كالنّاقة الوثيقة الخَلْقِ، والأمينُ: الحافظُ، وقد أمُن أمانَةً، ورجلٌ أمين وأُمّانٌ، أي: لَهُ دَينٌ مأمونٌ به ثِقَة، فالأمينُ هو المُؤْتَمَنُ. وأمانتُه عليه السَّلامُ تشمل المحافظةَ والعِفَّةَ والاستقامةَ وعدمَ الخيانةِ.
قد يكون المرء صالحًا في نفسه ثم يضعف عن عمل بعينه، فالاختيار الأمين يراعي القدرة على ذلك العمل تحديدًا.
حديث: صحيح مسلم ١٨٢٥
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، شعيب ابن اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ ابْنِ حُجَيْرَةَ الْأَكْبَرِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي. ثُمَّ قَالَ (يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنَّكَ ضَعِيفٌ. وَإِنَّهَا أَمَانَةُ. وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ. إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وأدى الذي عليه فيها)
- «في الصحيح» — أخرجه مسلم في صحيحه (1825)
قبل أن تطلب القوة والأمانة في غيرك، انظر إلى ما يعينك على اكتساب الأمانة في نفسك، فأنت أيضًا مؤتمن على الاختيار.
الخُلق: الأمانةُ ووسائل اكتسابه
1- تقويةُ الإيمانِ. 2- مجاهَدةُ النَّفسِ على اكتسابِ الأخلاقِ الحميدةِ والتَّخلِّي عن رذائِلِها. 3- مطالعةُ سِيَرِ الأنبياءِ والصَّالحين والاقتداءُ بهم. 4- أن يَعلَمَ ما يترتَّبُ على أداءِ الأمانةِ من منافِعَ دُنيويَّةٍ وأُخرويَّةٍ وما يترتَّبُ على الإخلالِ بها. 5- إسنادُ الأمورِ إلى أهلِها. 6- استِشعارُ كُلِّ امرئٍ المسؤوليَّةَ تجاهَ واجِباتِه.
إذا تعارض الوصفان قُدّم الأنفع لهذا العمل بعينه والأقل ضررًا فيه، وهذه موازنة تختلف باختلاف المنصب.
من المراجع: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية
ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: اللهم إليك أشكو جَلَدَ الفاجر وعجز الثقة. فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا عُيِّن رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها، فيُقَدَّم في إمارة الحروب الرجل القويّ الشجاع ــ وإن كان فيه فجور ــ على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينًا، كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قويٌّ فاجر والآخر
الفقه
هداية
اختر من اجتمعت فيه القدرة والأمانة، وتحقق منهما بأفعاله لا بأقواله، وإن تعارضتا فقدّم الأنفع للعمل نفسه.
بشرى
الأمانات تصل إلى أهلها بعدلٍ يسمعه الله ويبصره، ومن آمنوا وعملوا الصالحات من الشركاء يسلمون من البغي ولو كانوا قليلًا.
سؤال للتدبر
ما الموقف العملي الذي رأيته بنفسك وجعلك تثق بقدرة إنسانٍ وأمانته، قبل أن يحدّثك هو عنهما؟
للاستزادة
- إن خير من استأجرت القوي الأمين — عبد العزيز بن مرزوق الطريفي
- في اشراقة آية : إن خير من استأجرت القوي الأمين — بكار، عبدالكريم
راجعها: أبو عبد الرحمن، بتاريخ ٢٠٢٦-١٠-١٩